ماذا تعرف عن أحد عظماء الإسلام الأسد الشجاع ” ألب أرسلان ” الذي هزم مئتي ألف من الروم في معركة ملاذكرد، مع فيديو

هو السلطان محمد الملقَّب ألب أرسلان؛ أي الأسد الشجاع، قائد المسلمين في معركة ملاذكرد، وهي من أيام المسلمين الخالدة؛ أحد المعارك الكبرى التي غيَّرت وجه التاريخ، وأثَّرت في مسيرته، وكان انتصار المسلمين في ملاذكرد نقطة فاصلة؛ حيث قضت على سيطرة دولة الروم على أكثر مناطق آسيا الصغرى، وأضعفت قوَّتها، ولم تَعُدْ كما كانت من قبل شوكة في حلق المسلمين، حتى سقطت في النهاية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح.

كما أنها مهَّدت للحروب الصليبية بعد ازدياد قوَّة السلاجقة المسلمين، وعجز دولة الروم عن الوقوف في وجه الدولة الفتية، وترتَّب على ذلك أن الغرب الأوربي لم يَعُدْ يعتمد عليها في حراسة الباب الشرقي لأوربا ضد هجمات المسلمين، وبدأ يُفَكِّرُ هو في الغزو بنفسه، وأثمر ذلك عن الحملة الصليبية الأولى.

السلاجقة

نجح السلاجقة في النصف الأول من القرن الخامس الهجري في إقامة دولة قوية في خراسان وبلاد ما وراء النهر على حساب الدولة الغزنوية، وأعلنوا تبعيِّتَهم للخلافة العباسية، ثم لم تلبث هذه الدولة أن اتسعت بسرعة هائلة؛ فسيطرت على إيران والعراق، وتوَّج «طغرل بك» إنجازاته العسكرية بدخول بغداد في (25 من رمضان 447هـ= 23 من ديسمبر 1055م)، وبدأ عصر جديد للدولة العباسية، أطلق عليه المؤرخون عصر نفوذ السلاجقة؛ حيث كانت السلطة الفعلية في أيديهم، ولم يبقَ للخليفة سوى بعض المظاهر والرسوم.

ويُعَدُّ طغرل بك من كبار رجال التاريخ؛ فهو المؤسِّس الحقيقي لدولة السلاجقة؛ فقد نشأت على يديه، ومدَّتْ سلطانها تحت بصره، وغدت أكبر قوَّة في العالم الإسلامي، ونفخت الرُّوح في جسد الدولة العباسية الواهن؛ فدبَّت فيه الحياة، بعد أن أوشكت على الموت، منذ أن أعلن «البساسيري» أحد قادة الجند تبعية بغداد للدولة الفاطمية في مصر، في سابقة لم تحدث في تاريخها.

نشأة ألب أرسلان

تُوفِّي طغرل بك في سنة (455هـ= 1063م) دون أن يترك ولدًا يخلفه على سدَّة الحكم، فشبَّ صراع على الحكم، حسمه ابن أخيه ألب أرسلان لصالحه بمعونة وزيره نظام الملك؛ المعروف بالذكاء وقوَّة النفوذ، وسعة الحيلة، وتنوُّع الثقافة.

وكان ألب أرسلان كعمِّه طغرل بك قائدًا ماهرًا مقدامًا، وقد اتخذ سياسة خاصة تعتمد على تثبيت أركان حكمه في البلاد الخاضعة لنفوذ السلاجقة، قبل التطلُّع إلى إخضاع أقاليم جديدة وضمِّها إلى دولته، كما كان مشتاقًا إلى الجهاد في سبيل الله، ونشر دعوة الإسلام في داخل الدولة المسيحية المجاورة له؛ كبلاد الأرمن وبلاد الروم، وكانت رُوح الجهاد الإسلامي هي المحرِّكة لحركات الفتوحات التي قام بها ألب أرسلان وأكسبتها صبغة دينية، وأصبح قائد السلاجقة زعيمًا للجهاد، وحريصًا على نصرة الإسلام ونشره في تلك الديار، ورَفْع راية الإسلام خفَّاقة على مناطق كثيرة من أراضي الدولة البيزنطية.

يذكر «ابن الأثير» في كتابه «الكامل في التاريخ» شيئًا من أخلاق السلطان ألب أرسلان، قائلًا أنه «كان عادلاً يسير في الناس سيرة حسنة، كريمًا، رحيم القلب، شفوقًا على الرعية رفيقًا بالفقراء، بارًّا بأهله وأصحابه ومماليكه، كثير الدعاء بدوام ما أنعم الله عليه، اجتاز يومًا بمرو على فقراء، فبكى، وسأل الله تعالى أن يغنيه من فضله، وكان يكثر الصدقة، فيتصدق في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار، كان حريصًا على إقامة العدل في رعاياه وحفظ أموالهم وأعراضهم».

ويقول ابن كثير، في «البداية والنهاية»، إن «أرسلان كان يقول: (ما كنت قط في وجه قصدته، ولا عدوًّا أردته إلا توكلت على الله في أمري، وطلبت منه نصري، وجاء في رواية قوله: أنا ملك الدنيا، وما يقدر أحد عليَّ فعجزني الله تعالى بأضعف خلقه، وأنا أستغفر الله وأستقيله من ذلك الخاطر، وعلى القادة والحكام أن يستشعروا نعائم الله عليهم، ويتذكروا فضله وإحسانه وينسبوا الفضل لله تعالى صاحب المن والعطاء والإحسان والإكرام)».

ولقد بقي سبع سنوات يتفقَّد أجزاء دولته المترامية الأطراف، قبل أن يقوم بأي توسُّع خارجي.

 

ألب أرسلان الأسد الشجاع

فتوحات ألب أرسلان

عندمااطمَأَنَّ ألب أرسلان على استتباب الأمن في جميع الأقاليم والبلدان الخاضعة له، أخذ يُخَطِّط لتحقيق أهدافه البعيدة؛ وهي فتح البلاد المسيحية المجاورة لدولته، وإسقاط الخلافة الفاطمية الشيعية في مصر، وتوحيد العالم الإسلامي تحت راية الخلافة العباسية السُّنِّيَّة ونفوذ السلاجقة، فأعدَّ جيشًا كبيرًا اتَّجه به نحو بلاد الأرمن وجورجيا، فافتتحها وضمَّها إلى مملكته، كما عَمِل على نشر الإسلام في تلك المناطق. وأغار ألب أرسلان على شمال الشام وحاصر الدولة المرداسية في حلب، والتي أسسها صالح بن مرداس على المذهب الشيعي سنة (414هـ= 1023م) وأجبر أميرها محمود بن صالح بن مرداس على إقامة الدعوة للخليفة العباسي بدلًا من الخليفة الفاطمي سنة (462هـ= 1070م). ثم أرسل قائده التركي أتنسز بن أوق الخوارزمي في حملة إلى جنوب الشام، فانتزع الرملة وبيت المقدس من يد الفاطميين، ولم يستطعِ الاستيلاء على عسقلان؛ التي كانت تُعتبر بوابة الدخول إلى مصر.

معركة ملاذكرد

لقد أغضبت فتوحات ألب أرسلان رومانوس ديوجينس إمبراطور الروم، فصمَّم على القيام بحركة مضادَّة للدفاع عن إمبراطوريته. ودخلت قواته في مناوشات ومعارك عديدة مع قوات السلاجقة، وكان أهمها معركة ملاذكرد في عام (463 هـ= أغسطس 1071م)؛ فقد كان تعداد جند السلطان خمسة عشر ألفًا وجند الروم مائتي ألف، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال؛ حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين.

فلمَّا كان ذلك الوقت وتواقف الفريقان وتواجهت الفئتان، ونزل السلطان عن فرسه وسجد لله –عز وجل، ومَرَّغ وجهه في التراب ودعا الله واستنصره، فأنزل نصره على المسلمين، ومنحهم أكتافهم فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وأُسِرَ ملكهم رومانوس، فلمَّا أُوقف بين يدي السلطان ألب أرسلان ضربه بيده ثلاثة مقارع، وقال: «لو كنتُ أنا الأسير بين يديك ما كنتَ تفعل؟» قال: «كل قبيح». قال: «فما ظنُّك بي؟» فقال: «إمَّا أن تقتل وتشهرني في بلادك، وإمَّا أن تعفو وتأخذ الفداء وتُعيدني». قال: «ما عزمتُ على غير العفو والفداء». فافْتُدِي منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، فقام بين يدي السلطان وسقاه شربة من ماء وقَبَّل الأرض بين يديه، وقَبَّل الأرض إلى جهة الخليفة إجلالاً وإكرامًا، وأطلق له السلطان عشرة ألف دينار ليتجهَّز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة وشيَّعه فرسخًا، وأرسل معه جيشًا يحفظونه إلى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

ويشير «الصلابي» إلى أن «انتصار ألب أرسلان بجيشه الذي لم يتجاوز خمسة عشر ألف محارب على جيش الإمبراطور أرمانوس الذي بلغ مائتي ألف في معركة (ملاذكرد)، كان حدثًا كبيرًا، ونقطة تحول في التاريخ الإسلامي، لأنها سهلت إضعاف نفوذ الروم في معظم أقاليم آسيا الصغرى، وهي المناطق المهمة التي كانت من ركائز الإمبراطورية البيزنطية وأعمدتها، وهذا ساعد تدريجيًّا على القضاء على الدولة البيزنطية على يد العثمانيين، كما أن انتصار المسلمين في هذه المعركة لم يكن انتصارًا عسكريًّا فقط بل كان انتصارًا دعويًّا، إذ انتشر الإسلام في آسيا الصغرى، وضمت مساحة تزيد على 400 ألف كم إلى ديار المسلمين».

 

الوزير نظام الملك

وما كان للسلطان ألب أرسلان أن يُحَقِّق كل هذه الإنجازات بدون جهود وزيره العظيم نظام الملك، الذي لم يكن وزيرًا لامعًا وسياسيًّا ماهرًا فحسب؛ بل كان داعيًا للعلم والأدب محبًّا لهما؛ أنشأ المدارس المعروفة باسمه «المدارس النظامية»، وأجرى لها الرواتب، وجذب إليها كبار الفقهاء والمحدِّثين، وفي مقدِّمتهم حُجَّة الإسلام «أبو حامد الغزالي».

وقد ارتفع شأن ألب أرسلان بعد انتصاره الباهر، وصار مرهوب الجانب في الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وحقَّق شهرة واسعة هو ووزيره نظام الملك؛ الذي أسهم في وضع سياسة السلاجقة، وأشرف على تنفيذها.

وفاة ألب أرسلان

لم يهنأ السلطان ألب أرسلان كثيرًا بما حقَّقه، ولم يجنِ ثمار نصره، ويُواصل فتوحاته؛ فقد قُتِلَ بعد عام ونيِّف من موقعة ملاذكرد على يد أحد الثائرين عليه، وهو في الرابعة والأربعين من عمره في (10 من ربيع الأول 465 هـ= 29 من نوفمبر 1072م)، وخلفه ابنه ملكشاه صاحب الإنجازات العسكرية والحضارية في القرن الخامس الهجري.

 

المصادر: كتاب قادة لا تنسى،  تأليف: تامر بدر

الكامل في التاريخ،  تأليف ابن الأثير

البداية و النهاية،  تأليف ابن الكثير

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *